الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

200

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

ولأنّه لا يوقع في العداوة والبغضاء غالبا ، فتدخل أحكامه تحت أدلّة أخرى . والذّكر المقصود في قوله : عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ يحتمل أنّه من الذكر اللسان فيكون المراد به القرآن وكلام الرسول - عليه الصلاة والسلام - الذي فيه نفعهم وإرشادهم ، لأنّه يشتمل على بيان أحكام ما يحتاجون إليه فإذا انغمسوا في شرب الخمر وفي التقامر غابوا عن مجالس الرسول وسماع خطبه ، وعن ملاقاة أصحابه الملازمين له فلم يسمعوا الذكر ولا يتلقّوه من أفواه سامعيه فيجهلوا شيئا كثيرا فيه ما يجب على المكلّف معرفته . فالسيئ الذي يصدّ عن هذا هو مفسدة عظيمة يستحقّ أن يحرّم تعاطيه ، ويحتمل أنّ المراد به الذكر القلبي وهو تذكّر ما أمر اللّه به ونهى عنه فإنّ ذكر ذلك هو ذكر اللّه كقول عمر بن الخطاب : أفضل من ذكر اللّه باللسان ذكر اللّه عند أمره ونهيه . فالشيء الذي يصدّ عن تذكّر أمر اللّه ونهيه هو ذريعة للوقوع في مخالفة الأمر وفي اقتحام النهي . وليس المقصود بالذكر في هذه الآية ذكر اللّه باللسان لأنّه ليس شيء منه بواجب عدا ما هو من أركان الصلاة فذلك مستغنى عنه بقوله : وَعَنِ الصَّلاةِ . وقوله : فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ الفاء تفريع عن قوله : إِنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ الآية ، فإنّ ما ظهر من مفاسد الخمر والميسر كاف في انتهاء الناس عنهما فلم يبق حاجة لإعادة نهيهم عنهما ، ولكن يستغنى عن ذلك باستفهامهم عن مبلغ أثر هذا البيان في نفوسهم ترفيعا بهم إلى مقام الفطن الخبير ، ولو كان بعد هذا البيان كلّه نهاهم عن تعاطيها لكان قد أنزلهم منزلة الغبي ، ففي هذا الاستفهام من بديع لطف الخطاب ما بلغ به حد الإعجاز . ولذلك اختير الاستفهام بهل التي أصل معناها ( قد ) . وكثر وقوعها في حيّز همزة الاستفهام ، فاستغنوا بهل عن ذكر الهمزة ، فهي لاستفهام مضمّن تحقيق الإسناد المستفهم عنه وهو أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ ، دون الهمزة إذ لم يقل : أتنتهون ، بخلاف مقام قوله وَجَعَلْنا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَ تَصْبِرُونَ [ الفرقان : 20 ] . وجعلت الجملة بعد هل اسمية لدلالتها على ثبات الخبر زيادة في تحقيق حصول المستفهم عنه ، فالاستفهام هنا مستعمل في حقيقته ، وأريد معها معناه الكنائي ، وهو التحذير من انتفاء وقوع المستفهم عنه . ولذلك روي أنّ عمر لمّا سمع الآية قال : « انتهينا ! انتهينا ! » . ومن المعلوم للسامعين من أهل البلاغة أنّ الاستفهام في مثل هذا المقام ليس مجرّدا عن الكناية . فما حكي عن عمرو بن معد يكرب من قوله « إلّا أنّ اللّه تعالى قال فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ فقلنا : لا » إن صحّ عنه ذلك . ولي في صحته شكّ ، فهو خطأ في الفهم أو التأويل . وقد شذّ نفر من السلف نقلت